قصة قصيرة. / القطار. بقلم الأستاذ الأديب. عمر بنحيدي
قصة قصيرة : القطار.
منذ يومين على الأقل و أحمد ينتظر كغيره من المسافرين في محطة القطار َ المكتظة. انتظم الكل في طابوربن طويلين أحدهما للرجال والآخر للنساء.َ وهما في تضخم دائم ، لكن القطار تأخر كثيرا . كان من المفروض أن يصل منذ أربعة أيام. _ربما _تعطل في الطريق. أو ربما لم يتحرك بعد من مكانه . فنقطة انطلاقه في الجنوب. و اتجاهه هو الشمال.
جلس الطالب أحمد مع الجالسين فوق أمتعته. استنتج انه في مثل هذه الحالة لاينفع القلق فتيلا ، فانخرط معهم في سلسلة حوارات أحيا نا متشنجة وأخرى مسلية . هناك من راح يكيل للقطار الشتائم و للسائق. قال : من المفروض ان يكون للقطار عدة سواق يتعاونون على توجيهه أحسن توجيه. فعدة عقول أحسن من واحد.
قاطعه رجل مسن : انت مُشرِك. القطار كالكون. هناك مسير واحد ولو كانوا اكثر لفسد الكون.
ومن وراء حجاب تدخلت امراة: من يسير البيت؟ المرأة أقدر على سياقة القطار. و إيصاله إلى محطة النهاية.
تعالت زغاريد النساء المؤيدات لها. بينما سرت همهمة بين الرجال .لكن أحد الكهول وتظهر عليه أثار النعمة أثار الانتباه بشكله و بصوته الرخيم : تٓبًّا للظروف التي جمعتنا بالهٓمٓج. هذا شيء لايطاق. مع من نحن؟ أشباه إنسان ولكن سلوك متوحشين .
حاول احدهم مقاطعته، لكنه أخذ يصرخ : في بلدان ماوراء البحر، الكل يعبر عن رأيه. والقطار هناك يسير وفق سرعة محسوسة ، اما قطارنا فمنعدم الحركة...لماذا لسنا مثلهم؟
أحس بحلقه يجف فتوقف ليرطب حلقه بالماء وإذا بشخص معمم، و ملتح تدخل: كما تكونوا يكون قطاركم. وقطارنا يتعطل دوما وحركته تكاد تلامس الصفر لأننا نسير به في الإتجاه المعاكس، علينا العودة ألي المحطة الأولى..
بدأوا يتأملون و يقايسون أقوال هذا باقوال ذاك وإذا بصوت البوق ينطلق مزلزلا الأفئدة و الآذان قبل الجدران: السيدات والسادة المسافرين _ استبشٓر وا خيرا وهبُّوا واقفين وكلهم آذان. واصل الصوت مزمجرا: نأسف لإخباركم ان عصابة استَولت على مقصورة السائق وغيرت اتجاه القطار وجهة لانعلمها.
هاجت الجموع وماجت. فكان من تنفس الصعداء، و من صار يلعن و يهدد، خاصة من تبخرت أحلامه وتهدمت مشاريعه.. ومنهم من بدأ يحرض ضد الإدارة، لكن سرعان ما هدأت النفوس لما زمجر البوق من جديد :
السيدات و السادة المسافرين، هدوء من فضلكم.
رفضوا هذه المرة الإنصات، لكنه واصل غير مبال بهم.
: لقد تمت استعادة مقصورة السائق بعد التوصل إلى اتفاق مع السادة أعضاء العصابة. فارتاحوا من فضلكم فسعادتكم تهمنا ..
ملوا من الانتظار، تعبوا من النقاشات البيزنطية، جاعوا ثم استسلموا للنوم ومنهم من حلم بركوب قطار سريع مريح يتوفر على كل الخدمات، بل إنه وصل حيث شاء. وقضى مآربه.
في اليوم السابع سمعوا الزئير و رأوا الدخان يُنْفث نحو السماء. كل الحيوانات المارة قربه قد فزعت و تراجعت نحو الخلف
حين دخل المحطة، بدأت جحافل المسافرين تتدافع وهي تردد الله أكبر والنساء يزغردن والأطفال يصيحون فرحين. والكل محمل بأمتعته، بل هناك من يسافر مع حيواناته كالقطط والكلاب والعنزات. والخرفان فقد اقترب عيد الأضحى.
هناك من تعثر او وقعت منه اشياؤه وهناك من تاه عن عائلته او أصدقائه...
وأخيرا توقف القطار لكن الأبواب لم تفتح. وأمام دهشة المنتظرين اطل مستخدم من إحدى النوافذ وتحدث في بوق: لاداعي لعرقلة سير القطار. فالمقاعد محجوزة من طرف الركاب الحاليين لأفراد عائلتهم ولمعارفهم. وسينادي كل واحد على أهله او معارفه. سيسكنون عربة. لوحدهم وهناك من حجز أكثر من عربة. لكن إطمئنوا العربات الباقية سنضع لها طريقة عادلة لتوزيعها. سنجري مباراة على المقاعد الباقية.
تقدم احمد لقراءة الإعلان ووجد كل الشروط مطابقة عليه فاخرج الديبلوم تمعنه كأنه لأول مرة يراه. ثم تأكد من الوثائق الأخرى..
بعد اسبوع أعلنت النتيجة. وكانت مفاجأة احمد ان زملاءه فلان وفلان ووو وكلهم قدموا الأوراق بيضاء. قد تم قبولهم، اما هو فقد أصيب بخيبة كبرى. لا يوجد اسمه باللائحة. لماذا؟
احتج احمد وطالب بالاطلاع على ورقته لكنه تلقى جوابا صادما : انتٓ نكرة لا أحد يعرف أصلك وفصلك فالمقاعد هذه الدورة شِحِّيحة، لكن لا تفقد الأمل سوف نضاعف عدد المقاعد و سوف و سوف... .
تزعم أحمد مجموعة من الشباب في تظاهرة محتجين على حرمانهم من أحد الحقوق . لكن حراس المحطة تصدوا لهم بعنف وقبض على بعضهم من بينهم هو بتهمة التخريب.
اودعوا السجن والذين لم يحالفهم الحظ في الصعود للقطار بقوا في المحطة ينتظرون قطارات اخرى ومنهم من اعتمد على نفسه للوصول إلى وجهته. أما اليائسون فمنهم من تأبط شرا و صار ياخذ حقه بيده كما يقال
عمر بنحيدي. . 23/8/2019
تعليقات
إرسال تعليق