قصة قصيرة الروح العطشى. بقلم.الاستاذة. نور الشمس نور النعيمي

 قصة قصيرة

الروح العطشى

أقصد البحر شاكيا له  مستلهما منه كل ما انتابني خطب و أصابني  هم و كمد ، أو حل بي وهن وضعف، فيتوسع صدري وتنفرج أساريري. 

أصل مع  تباشير  الصباح إلى الشاطئ حيث يبدو البحر هادئ وادع من شدة صفائه تحسبه مرآة، تنساب أمواجه خفيفة تلطم الشاطئ و تعود خجلى تغور في أعماقه. 

جلست على بساط فرشته فوق الرمال أرتقب بزوغ الشمس، و نسيم الصباح العليل يدغدغ الوجه، والنوارس نهضت  من سباتها تملأ الأرجاء بأصواتها. 

من وسط البحر  تظهر الشمس تجر أشعتها الذهبية من بين غيوم بيضاء متفرقةتتألق في السماء، جمالها يسحر القلوب  ويخطف بصائر الألباب. 

أهيم  في خيالي و أسلو عن واقعي حتى تراءى أمام عيني و بالقرب مني سيدة في عقدها الثالث تسير منفردة فوق الرمال تلطم  أقدامها الحافية موجة بعد موجة تداعبها  تقذفها بقدميها،  وقد شمرت عن ساقيها ترفع فستانها الأبيض عن زبد الأمواج .

تنظر إلى الأفق  وقد أضناها الحزن ، ثم تجلس على صخرة وتجهش بالبكاء تتساقط  دموعها كالشلال على الرمال.

قد ساعدني سكون الرياح وهدوء الأمواج  إلى سماع ما كانت تناجي به البحر بصوت مرتج  تقطعه شهقات وعبرات بحديث لن يبرح ذاكرتي أبدا .

يتحرك قارب من المرفأ و قد نشر شراعه وسحب مرساته  وأدار القبطان ياطره، يتهادى وئيدا على الأمواج  تاركا وراءه خطوطا لا تلبث أن تتبدد. 

وقفت منتصبة وقفة المتحير ، شعرها الأسود المسبل يذروه النسيم، صامتة  ترمق بإحساس و ألم بعاد المركب ، يغلبها حزنها وتبكي بألم ، فتحوم من حولها أسراب النوارس تردد نواحها بصوت كئيب . 

يمضي القارب يسير بموازاة الشاطئ  يشق  عباب البحر ، 

و خيال رجل غير مبال على ظهره  يمسك بسارية المركب ،كأنه يودع هذا العالم إلى  جهة مجهولة يحدق بها بصمت وكأنه لا يعنيه تلويحها وصياحها . 

أيقنت عندها أن هذا القارب يخطف من سكن أحلامها وأن  من على ظهره توأم  روحها و قد حكم عليها بالهجر وأنها لحظات وداع و فراق. 

كالمجنونة تركض بمحاذاته  بوجه شاحب تناديه وترجوه وتسترحمه  وتطلب منه العودة إليها، تحاول الدخول إلى الماء و اللحاق بالمركب وترجع  أفلة خائفة، والرجل غير مكترث بها، كأنه لم يكن بينهما اي رابط أو صلة. 

أسأل نفسي كيف للإنسان أن يبلغ كل  هذا المبلغ من القسوة ؟ 

بعد عدة محاولات استجمعت نفسها وتمالكت خوفها فاعتزمت الخوض باليم  واللحاق بالمركب . 

مرت بي رعشة شديدة عندما شاهدتها تشمر ثوبها  وتسبح على سطح الماء فهرعت مسرعة إليها أحاول اللحاق بها و اصرخ  بأعلى صوتي كي تتوقف.

كانت تعوم بغير هدى حتى أنهكها التعب فتلتف تحاول الرجوع إلى الشاطئ بعد أن فقدت الأمل باللحاق بالمركب، غطست لمدة و لم أعد  أراها وكنت على مقربة منها  وبعد برهة  ارتفع رأسها وهي ترغد وتزبد وتستنجد .

دنوت منها أساعدها الخروج من ماء البحر ، و جسدها يرتج وشفتاها ترتجف و أسنانها تصطك، استلقت متعبة منهكة  على الرمال تستنشق الهواء بصعوبة ، تجلس بعدها تنظر إلى المركب  فلم يعد يُرى  إلا نقطة ضائعة في الأفق . 

أحسست أن قلبها سيتوقف ، وأن المستقبل الذي ينتظرها أصبح حالك السواد،  تحدثني و تقول :كيف لي أن أعيش بدونه؟ 

لقد نما حبه في قلبي وخالط روحي،  نشأنا معا فعشت له ،كان منبع أمالي ومجمع أحلامي .

لقد تركني أصارع مناكب الحياة وحدي، فلمن ألجأ  الآن وما في القلب غيره؟  لقد اقفرت حياتي ، وظل طريقي، وها أنا أدخل في قوقعة أحزاني. 

لا اعرف سبب  زهده مني بعد أن ولج قلبي وأصبح وطني الذي احتمي فيه . 

كيف سأتحمل  معاناة  فراقه وهو قدري  في الحياة وهبته كل جميل وبدوره وهبني الحياة؟ النار  تأج في أحشائي والعقل جن  في الرأس. 

وتصيح بأعلى صوتها لما الفراق بدون خلاف و خصام؟ 

إن حياتي توقفت الآن فلن أجد بعده شيئا جميلا زاهيا، وهل حياتنا إلا ذكريات ماضي وأمال مستقبل مع من نحب؟ .

وهل يستطيع الإنسان العيش بلا قلب بعد أن يفر من بين ضلوعه  خلف من يهوى؟ وهل أستطيع أن أنسى ذلك الكرسي  الخشبي الهزاز الذي نجلس عليه كل مساء نتسامر بليل  تحت قبة السماء و نجومها الزهر ، والقمر شاهد  يسمع ما تجود به افواهنا؟ 

أحاول تهدئتها فأشعر  بنحيبها وقد عقد لسانها و جف ريقها، تلوم نفسها و ترتفع يدها تلطم بها وجهها وصوت الصفع تردد صداه الصخور المرمية قرب المرفأ. 

ثم تقول: إني أحبه وأحب الأرض التي تسير عليهاقدماه، أحب الهواء الذي يحوم حوله. وعطره الذي لاازال اتمناه. 

تنطلق مسرعة تقذف بنفسها إلى البحر تكافح أمواجه حتى تغيب  عن ناظري وأنا في حيرة من أمري  مرتبكة ماذا عساي أن أفعل، تصفر باخرة تمر بالقرب من المرفأ تنثر حميم دخانها في الفضاء. 

استيقظ على أثرها فزعة مرتعدة من سبات خيال أخذني في حلم مأساوي ،فأعود أدراجي بعد أن بلغ قرص الشمس كبد   السماء، تاركة خلفي هذا الحلم  الثقيل لحظة شرود وغياب عن الواقع، أرمق البحر مودعة واسأله كم من غريق عشق تضمه في أعماقك.

نور الشمس نور النعيمي

تعليقات

المشاركات الشائعة

مبارك من القلب الدكتوراه الفخرية. د.عبد العزيز بن صالح بن عبدالله الدخيل.

همسة امان بقلم: إبنك عماد الدين

لغةُ الضادِ… رايةُ الخلود.بقلم فادي عايد حروب (الطياره.فلسطين